لانغويش: غمامة الكورونا

عُدنا للعمل الحضوري بعد عامٍ وأشهر من العمل عن بُعد. لم أتوقع من نفسي الاشتياق إلى مسابقة الوقت للوصول إلى المحاضرة قُبيل موعدها، أو الجلوس في المقهى القريب والاستمتاع بمناقشات الطالبات وأحاديثهن. إلا أنّ نفسي راكِدة؛ أُلزم نفسي إلزاماً بالحديث والتواصل إذا انتبهتُ لصمتي. أمّا المُحاضرات فالجُهد فيها مُضاعف لأني لا أحمل نفسي عليها فقط، بل حتى الطالبات وذلك مما ضاعف الشعور الغريب بالوهن. غمامة غريبة كانت تُظلّهن أيضاً؛ حالة من الشرود والسرحان، لكن حتى حين تنتهي المحاضرة، لا أحد يتحرك! أوعزتُ ذلك إلى إرهاق اليوم الدراسي الطويل الذي ينتهي عند العاشرة تقريباً. وأنا كدتُ أعود للبيت في منتصف اليوم الدراسي عدة مرات بسبب غلبة الوَهن عليّ، أو ما يُشبهه. ظننتُ ذلك بسبب الكِمامة واختناقي بها خلال الشرح، فكان كل ما أريده هواءٌ نقيّ، إذ أشعر وكأني قد استنشقتُ غازاً أو كيراً ليحجب الإرسالات العصبية عن دماغي.
استغلّت الأسئلة الوجودية هذا الوضع بين الوهن والهلوسة فأخذت بالإلحاح. كان أمامها عام وأكثر لكن ما تزيّت إلا الآن فتجاهلتها لأنه ليس بي طاقة لبيزنطية بعضها. وكنتُ أنهي النقاشات والجدالات الواقعية بعبارات مثل: “نعم، أتفق، لم أفكر بعد، لم أتخذ موقفاً .. ”
وضعٌ يُشبه الطرفة القديمة إذ يُحكى أن نجاراً كان قد كلّ من عمله، فأسقط مسماراً سهواً، فأفرغ علبة المسامير قائلاً: “أحضروا صديقكم.”
انقشعت الغمامة شيئاً فشيئاً، لكن أرّقني توقُ معرفة اسم هذه الحالة. وقد تعثّرت بها بينما كنت أبحث عن موضوع آخر منذ أسبوعين. اسمها

“languish”

أي الوَهن والذبول والتبلّد التي إن طالت تسببت بحالة أو الكرب،

“anguish”

وتشير لمعاناة ذهنية عصيّة. وقد سكّ الأولى عالم اجتماع معاصر.
كلا الكلمتين قديمتان، لكن بُعثتا لتُعرفا مفاهيم علمية، حيث انتقل المعنى من المعنى الذي وُضع له إلى المعنى المستجد، وبينهما تقارب، الظاهرة اللغوية التي تُعرف “بالتطور الدلال

(Semantic Change)

تسكن النفس أحياناً إن استطاعت وصف ما بها.
وإن أردت التعرف على ما أتعثر به أيضاً من شؤون اللغة والترجمة فدونك النشرة البريدية

An Arab Lost in Language