إخلاء طرف | 2 فُسيفساء بشريّة

تخصصي الترجمة، أنقلُ الأفكار وأقولبها لمن يرغب بالتعرف على الآخر، وتدريس مهارات اللغة الإنجليزية كان الخيار الثاني، ولم أتصور أن تتقاطع برامج إعداد المعلمين مع الترجمة بالرغم من أنّ الموضوع بدا وكأني أدرس تخصصاً جديداً. لا أذكر أوّل محاضرة قدّمتها، لكن أذكر شعور الحماس المتصاعد يوماً إثر يوم حتى أرسلت بنهاية الشهر الأوّل لإحدى الشخصيات التي تركت الاشتغال بالتعليم: “لماذا لم تخبروني أنّ التعليم ممتع! أذلك سرّ تعاهدتهم على كتمانه؟ أكان تركك إياه حركة تمويهية!”

اتّفق أن تجربة التدريس لستة أعوام مرّت بالبرامج التحضيرية، البرامج التي تُعد معظم طلبة البكالوريوس لتخصصات معينة، وأعمار فئتها تتراوح ما بين 17 و19، يندر وجود أكبر من ذلك. لم تقل أعداد الطالبات في كل شعبة عن 55 طالبة إلا في فصلين منفصلين، وتقارب الثمانين في فصول أخرى. أرواح غضّة مقبلة على الحياة، تحمل إرث بيئاتها وقَسَمات أمهاتها وإيماءات آبائها.

كُنتُ كل يوم، من صبحه إلى مسائه، أقلّب ناظريّ في هذه الفسيفساء البشرية، أستطلع السِمات وأتتبع الأنماط، وبنهاية الفصل أتحقق من البيانات: أنتِ رفيقة أمك صحيح؟ لديكم أحفاد؟ أظن أنّ أحداً من أهلك يعمل بوظيفة تنفيذية، وأنتِ الجيل الأوّل الذي يتعلّم الإنجليزية، أمّا أنتِ فيبدو أنّك الأصغر، ألعائلتكم سَبق في التخصصات العلمية؟

وهناك ما لا يمكن مشاركته كملاحظة المُهملين، أو التائهين، أو حتى الناجين من حياة عبر نفق التعليم، أو من تعلوهم أمارات الاكتئاب والقلق، مُلاحظتهم كانت وصية أستاذة في الدبلوم التربوي :”اربتي على أكتافهن، لا تدرين أيّ كتفٍ مهمّشة ستشعر صاحبتها بقيمتها.”

كانت البرامج التحضيرية مقسمة لعدة مسارات، كل مسار يجتازه طلبته يتوزعون على عدة أقسام أكاديمية. برامج العلوم الإدارية، برامج العلوم الإنسانية، برامج العلوم العلمية، برامج اللغات والترجمة. تزيد وتنقص لكن هذه هي بالعموم. فيُطرح السؤال المعتاد: هل جميعهم في التخصص الصحيح؟ أم هو حكم الموزونات (1)؟

كُنتُ أخطط لكل شعبة على حده لأن لكل شعبة احتياجات نفسية واجتماعية مختلفة لها ارتباط وثيق بأساليب التدريس، حتى لاحظت أنماط شائعة في كل مسار، يندر أن يختلف، مما يُجيب على السؤال السابق: نعم، هم في المكان الصحيح وفقاً لما أنتجته البيئة والأسرة منهم. في لحظة إدراك الذات ستختلف دوافع الاستمرارية في هذا المسار أو ذلك، ونسبة قليلة سُتدرك أنّها ليست لهذا المسار ولا لها.

ما هي الأنماط الشائعة؟

النمط الأوّل: وداعة الروح

هناك نمط لطيف وأليف، عبارة عن تكتكلات اجتماعية، أولوليته الحفاظ على العلاقات والواجهة الاجتماعية للتكتل الذي ينتمي له، لذا ستجدهم ينتخبون قادتهم عفوياً، فهو الأعلم والأشجع وقت الحروب المتمثلة في الهمس بالإجابات، حل النشاط، رفع اليد، وحتى الاجتهاد بالفهم لأنّه المعوّل عليه في جلسات المراجعة الخصوصية قُبيل الامتحانات.

يحبون العمل الجماعي، وكل ما هو سوى الدرس، كريمون بأخلاقهم وأطعمتهم وأقلامهم، ينفذون إلى روحك ويفهمونها.

ما نتائج ذلك على الدراسة؟

بسبب مفهوم العيش الآني وبحبوحته الاجتماعية، تنخفض الرغبة بخوض التحديات المتمثلة بتعلّم لغة جديدة، والتعويل على فهم القائد يُلقي ستارةً على أفهام جنود الكتيبة، وضمان المساندة من الكتائب المجاورة وقت الاختبارات يُميت بِذرة خشية الإخفاق، فمحاولات الالتواء حول الأنظمة في هذا النمط هو “مساعدة اجتماعية”

ما الحل؟

الأنشطة الفردية التي تسمح بتعرف الطالبة على مستواها وما تستطيعه وحدها، والتقليل من الأعمال الجماعية إلى منتصف الفصل تقريباً، وربط درجة الطالبة بصحة إجابة صديقتها في الكتلة، وخلط التكتلات ببعضها، وثقتها بالأستاذة هي بوصلتها في التعلّم.

تخرج الطالبات منّ هذا المسار ليكنّ أخصائيات نفس أو اجتماع، أو يخدمن المجتمع، وهن بارعات في العلاقات العامة والتواصل والإعلام الجماهيري بكل أنواعه.

النمط الثاني: لا يصلح إلا للمعالي

يندر أن تجد في هذا النمط طالبة دون كاريزما وحضور، عددهن 70 في الشعبة الواحدة، ولكلٍ ملكوتها، ولا يُقررن بضعف أو نقص، لا يُنشئن تكتلات، إنما أحزاب قائمة على توافقات المصالح، فالتوجه البراغماتي عفوي فيه، تجمعهن الدراسة وتفرّقهن الحياة خارجها، ولا ضير، فالكل متّفق على قواعد اللعبة، فليس بالضرورة أن يكون حزب التفاعل في المحاضرة هو حزب الاستعداد للاختبار، وليس هما نفسه حزب إعداد العروض. طريق المستقبل واضح أمامها حتى لو لم ترد سلكه، المصلحة فيه، ومحاولات القفز على الإجراءات هي محاولة الحفاظ على الاستحقاق الذاتي لأن الحظ لم يحالف. والبوصلة فيها تفاوضية: كيف سأحصل على الدرجة؟ بقيادتك لي أو بالاعتماد على المنهج؟

كيف نتصرف مع هذا النمط؟

بإضفاء طابع إنساني على تجارب التعلّم، كالأنشطة التي تنتهي بإتمام كل أفراد المجموعة المهام المسندة، وتغيير القائد في كل عمل جماعي داخل القاعة، وإدخال أنشطة تحدّي تسمح للطالبة بطرح الاستفسار ومناقشة توقعاتها وفهمها مع زميلاتها، وأنشطة الاستبصار،

بنهاية الفصل الدراسي آخذ منهن تعهدات أن لا ينسينني حين يصلن لمواقع تنفيذية في الشركات، وأنهن سيدرن أموالي وأعمالي، ويُدخلنني في شراكات أعمالهن الخاصّة بلا عاقبة. أعني أنّهن سيدرسن الاقتصاد والعلوم الإدارية والمحاسبة وإدارة المخاطر وخلافه.

النمط الثالث: لماذا نحنُ هنا؟

يمثل هذا النمط العالم الموازي للنمط الأوّل، وهو النموذج الواقعي لمفهوم الفردانية، نماذج مصغّرة من علماء المستقبل، متقدمون في كل شيء؛ في اللغة والرياضيات والعلوم والمهارات عموماً، يسبقون أستاذهم بخطوتين وثلاث. أشعر بهم كل مرّة نقيم نشاطاً جماعياً متفاجئين من وجود كائنات أخرى، ويعضون على الدرجات بالنواجذ، وكل نقص ينبغي تبريره، وكل تبرير غير مقنع حتى يُختبر بكل المعادلات المنطقية والاحتمالات في هذا العالم وكل عوالم الغيب والشهادة. التحايل من الكبائر لأنّه سرقة لجهدها، وإضرار بسمعتها، لكنه إن حصل يحصل بطريقة احترافية، لا تفوت عين الأستاذ : )

لماذا نحنُ هنا؟

غالباً ما تكون حاجة هذا النمط للتجربة الإنسانية، لتجربة المسؤولية المجتمعية، لتجربة النقاشات ذات النهايات المسدودة أو متعددة الأوجه، لتجربة الظهور أمام العالم، وتبادل المشاعر الإنسانية كالتعاطف والغبطة، للتعرف على القصور الإنساني وتقبله. لذلك طبيعة الأنشطة جماعية يختلف أفراد المجموعة كل مرة، داخل القاعة أو خارجة، ونتيجة النشاط هو جهد الفريق كله، ومناقشة المكتسبات وتتبع أسباب الخسائر ووضع حلول لتفاديها المرات القادمة.

يخرج للعالم من هذا النمط عالمات الحاسب والمبرمجات والمطوّرات، عالمات الأحياء والكيمياء والفيزياء والرياضيات،

هذه الأنماط الأكثير شيوعاً، وهناك نمط رابع لم أتعامل معه لفترة طويلة فلم أشكل تصوراً عنه، عدا عن الأنماط الفرعية والتي قد تشترك فيما بينها ولو اختلفت الأنماط الرئيسية، علاوة على المبدأ الأساسي: أن لكل قاعدةٍ شواذ. ومن العجيب أنّ النمط الاجتماعي -مثلاً- سريانه في نمط العلوم الإنسانية مثلاً مختلف عن سريانه في نمط العلوم الإدارية. لنأخذ مثلاً الطالبة من مدينة أخرى؛ ففي مسار العلوم الإنسانية تُظهر هويتها وتقبل على التعرف على الآخرين، أما في العلوم الإدارية فهي تتطبع بطابع المدينة التي هي فيها لأنها هنا لغاية عملية محددة.

كل يوم هو مغامرة جديدة لرؤية الفُسيفساء البشرية وإعادتها أماكنها وتأملّ بريقها وتشكلاتها المتناغمة الخلّابة. أيّهن المفضل عندي؟ تلك التي انكسرت زاويتها، أو بهت لونها، أو ابتعدت عن منظومتها، أو طمرها التراب أو دكّتها الخطوات أو ضعف المزيج الذي يُثبتّها، ومُذ بدأتُ التدريس آمنت بعبارة الأمهات حين يقلن أنهن يحببن أولادهن بنفس القدر.

كتاب حوارات زيغمونت باومان وريكاردو مازيو حول التعليم مما رفدني في هذه المغامرات.

——–

الصورة لرسمة بالقهوة مهداة من موضي أبو دجين

(1) الموزونات: الدرجة الموزنة للقبول في الجامعة، تتكون من -على الأقل- من نسبة الثانوية العامة ونسبة اختبار القدرات العامة المستقل، ويؤخذ من كل درجة نسبة معينة بحسب الجامعة والتخصص المراد دراسته..

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s