الموت في أمريكا (تجربة احتضار مُترجمة)

الموت في أمريكا Dying in America 

تدوينة كتبتها إليزابيث هانسون، أخت حمزة يوسف، حول تجربة الاحتضار التي مرّ بها والدها وشهدتها عائلته. نطق والدهما الشهادة قبل وفاته بأسابيع، وأوصى أن يُغسّل ويكفّن كما المُسلمين ويُدفن في مقابرهم. كتبتها قبل وفاة والدها بنصف ساعة فقط، ورأيتُ نقلها إلى العربيّة لما لامسته منّي ومشابهة التجربة والأوصاف لما مرّت به عائلتي مع والدي وجدّي لامي، رحم الله أموات المسلمين. 

النصّ:

أحضرنا والدي إلى البيت من المستشفى منذ أسبوعين ليقضي لحظاته الأخيرة بسلام. قيل لي إن سكرات الموت تستغرق ساعات أو أياماً قلائل إن طالت. واجه والدي هذه السكرات عدّة مرات إلا أنها كانت تنتهي دون وفاته. شهدنا أكثر من مرة مشهد الاحتضار حيث تجمّعت السيارات وسارع الجميع إلى غرفته ليكونوا قربه، تحوطناه وما ظنّنا إلا أنها أنفاسه الأخيرة، إلا أنها لم تكن كذلك إذ كان يعدّل جِلسته ويطلب ما يشربه أو النزول عن السرير. ودّعته خمس مرات على الأقل. لوالدي إرادة حديدة  خيّبت التنبوءات الطبيّة التي توقّعت وفاته منذ زمن طويل، وما زال صامداً رغماً عنها.

اختلفت ردود أفعال الأحفاد. أحدهم، وهو إبراهيم، يُلازم والدي في زياراته ممسكاً بيده مواسياً له. أما الآخر، وهو ابني عمر، فهو يهرع يومياً إلى غرفة والدي سائلاً إياه بصوتٍ عال” جدي، كيف حالك؟” أظن أن والدي يشعر بالاطمئنان نوعاً ما لأنّ شيئاً لم يتغيّر، ما دام هذا الطفل مهتماً على الأقل. أحد الأحفاد الصغار، ماثيو، كان خائفاً من رؤيته حتى اعتاد فكرة أن جده يحتضر الآن. صار الآن يتصرف كما لو كان محاميه، فإذا ما أرد الجد شيئاً، غير ممكنٍ ربما، كالنزول عن السرير في وضع يوحي بأنه في لحظاته الأخيرة، فإن ماثيو يطلب منا احترام أمنيته الأخيرة. يرى الأطفال أحياناً الأمور بنقاءٍ شديد.

لدينا انفصال عن فكرة الموت في ثقافتنا، وبما أنّي اعتدتها لفترة طويلة، بدأت لتوي إدراك حجم إنكار الموت. الموت الذي نخافه، الذي نحمي أطفالنا منه، الذي نحتجزه خلف أبواب المشافي.

رجانا والدي أن نخرجه من المشفى، وهذا ما فعله أخي وزوجته حيث استقبلاه برحابة في منزلهما. كان يعتقد والدي بأنه قد يُقتل فيها (وهذا ما كاد أن يحصل مرتين)، ولم نرد طبعاً أن يلفظ أنفاسه الأخيرة هناك. وما أرخص الموت حين يكون تجارةً في أمريكا. تُدرّ إطالة أمد حيوات النّاس عن مواعيد وفيّاتهم أموالاً طائلة وذلك بوضعهم تحت التمريض المنزلي وحقنهم بالمهدئات التي ستفوّت عليهم خوض أعظم حدث في حياتهم.

هل ذكرت الشركة (المتخصصة في الجنائز) واستغلالها مساعدة المتوفّى في انتقاله لمثواه الأخير؟

أقرب ما يمكن مقارنته بالموت، بظنّي، الولادة، حيث الاستعداد النفسي وآلام المخاض والمواعيد المباغتة التي لا يمكن لأحدٍ التنبؤ بها. هناك أيضاً سيل المكالمات من أفراد العائلة والأصدقاء القلقين المتسائلين “هل وُلد الطفل أم لا؟” لا فرق بين ذاك وما يحصل خلال انتظار الموت، إلا أن الرسائل النصيّة حلّت محل المكالمات والسؤال يصير “كيف حاله؟” تنازعني نفسي عند الرد على هذا السؤال لأن إجابته المنطقية “لم يمت بعد،” إلا أن لدينا الكثير من الأدبيات حول ما يتعلّق بالاحتضار والموت، فإن لم يكن في “لم يولد الطفل بعد،” بأس، فإنه ليس من المقبول اجتماعياً أن تكون مُباشراً بهذا القدر إذا ما تعلّق الأمر بالاحتضار. “إنّه يذبل،” أقصى ما يمكننا الإجابة به.

أقدر الذين لا يسألون إلا عن حالي، إذ أن ردّي المعهود هو “عالقة بالحياة،” أسير على سلكٍ رفيعٍ جداً، إلا أنّه ينقطع أحياناً فأهوي وأنهار.

الآلام التي تصاحب الموت تشابه تلك التي تصاحب الولادة حيث الآلام التي لا تحتمل هي التي تساعدك على الخروج من هذا العالم وكل ما تحبّه. إلا أنّ المشافي تُحاول تفاديه بأي ثمن. يضخونك بالمورفين، الذي يعجّل الموضوع، كما يكتفي مسؤول التخدير بالتخدير الكامل لمنطقة الولادة لإماتة ألمها، أو الحقن بهرمون الأُوكْسِيتُوسين  ليُولد الطفل قبل أوانه. لا شك أنه لابد من الأدوية، إلا أنها أحياناً ليست إلا مُسكّنات، لا تُقارن منافعها بمضارّها.

أعطوا والدي المروفين ورأيته قد دخل في غيبوبة، ظللت ولمدة 12 ساعة ألحّ على الممرضات بأن شيئاً على غير ما يُرام قد حصل، وطالبت برؤية الطبيب، وأصررن على أن هذا طبيعي. هددتهنّ أخيراً بنزع الأنبوب عنه بنفسي، فأزلنه، ثم استعاد وعيه تدريجياً. قصرنا الآن تناوله المورفين بناءً على طلبه وذلك بعدما نبذل كل ما بوسعنا في سبيل راحته فلا تتحقق. يتناول المورفين في الليل أحياناً، وأحياناً أخرى تمرّ الأيام بلا أي جرعة منه. لم يتناول والدي في حياته أية أدويّة، ويفضّل أن لا يتناولها الآن. لحظاتنا التي نقضيها معه لا تقدّر بثمن إذ يكون رائقاً صافيَ الذهن، وهذا يحصل حين لا يكون نائماً. بخلاف ما يحدث الآن حيث ينام كثيراً.

لتأتي بعد ذلك مهمة إعداد المرء نفسه للحظة التي لا يمكن تفاديها ولابد علينا جميعاً مواجهتها. كُنت ضد إخبار والدي بأن حالته ميؤوسٌ منها، إلا أن إخوتي قرروا ذلك. أعتقد أن الناس تُدرك ذلك بنفسها، إذ كيف بالإنسان أن يحتضر ببطء فلا يعرف ذلك؟ أشبه ذلك بالمرأة التي تعرف أن زوجها يخونها، فإذا ما ظهر الأمر للعيان قالت إنها كانت تعلم بذلك إلا أنها لم تتمكن من السماح لنفسها بتقبّل الأمر حتى تستعد له. سلبت إحداهن فؤاد زوجها كما يسلب الموت حيواتنا. نقبل بهذا الواقع حين نستعد له ولا يليق أن يكون إدراكه متعجّلاً. يصير الواقع عقوبةَ إعدام إذا ما فُرض قسراً. يقول الطبيب “إن أمامك أسبوعان لتعيشهما،” فيموت المريض في الصباح التالي. يتكرر هذا السيناريو كثيراً وقد سمعته بنفسي. إرادة والدي صارت تتراخى شيئاً فشيئاً، الإرادة الحديدية التي لم تُقهر طوال 89 عاماً.

في أحد الأيام، وحين ظننا أن النهاية اقتربت، كان علينا التهيؤ لاستعدادات دفنه. وجدنا مقبرة جميلة بالقرب من المحيط – وكان والدي يُحبه – وأسعدنا أن نجد له مكاناً كهذا ليرقد فيه. إلا أن القبور كانت قد بِيعت. إلا أننا تمكنّا، ويا لها من معجزة، أن نشتري إحداها من طرفٍ ثالث عن طريق وسيط عائلي. يزدري والدي الشركات التي تتولّى ما تعلّق بالأدبيّات العامّة والأعراف وكذلك أبناؤه. لن نُسلّم جنازة والدي لأي شركة ما استطعنا ذلك. هل أخبرتكم أن إحدى المقابر عرضت علينا سعراً مخفّضاً إذا ما اشترينا القبر قبل رحيله؟

لا نريد أن يُهمل والدي في المشرحة الباردة وحيداً، لأيّام، ثم يُشيّع إلى المقبرة على أكتاف غُرباء. إذن، إذا ما حانت تلك اللحظة، وإذا ما سار كل شيء كما خططنا له، سنُغسّل جسده في المنزل ونشيّعه بأنفسنا. يتطلب التشييع إذناً وشهادة وفاة طبعاً. عادة ما تتولّى المدافن هذه الأمور، إلا أنها لن تساعدك إذا لم تطلب خدماتهم كاملة. اتصلت بعدد منها حتى توصّلت إلى رجلٍ لطيفٍ اسمه رودني، في المدينة الأخرى، وأبدى استعداده لمساعدتي. وحين حان موعد دفع قيمة خدماته، لم يقبل منّي أي شيء. من يصدّق أن مندوب المبيعات في أحد المدافن هو الذي سيذكّرني، في خضّم التعامل مع هذه التجارة، بأنه ما زال هناك أناس أخيار؟

قلب والدي كل المعطيات في توقعات استمراره بالحياة، وفقاً للأبحاث الطبيّة الحالية على الأقل. كان له مزاج الآيرلندي الذي لا يعجبه السكون. كان يأكل الكثير من اللحم والبطاطس ويرفض أكل أي شيء أخضر، وقليلاً ما مارس الرياضة بعد تجاوزه الستين. وكما قلب كل معطيات استمراره بالحياة، قلب كل معطيات احتضاره وبدا جميلاً في ذلك. لطالما كان الجلوس إلى جواره نوعاً من الاستشفاء، يوماً بعد يوماً، ومشاركته هذه الأيام الأخيرة، دون أنابيب مزروعة ولا إزعاج متواصل من العاملين في الرعاية الصحيّة المُلزمين باتّباع الروتين الموحّد للتعامل مع كل الحالات حتى تنتهي. يترجّل والدي عن الحياة كما يريد في الوقت الذي يُريده، مُحاطاً بعائلته وأصدقائه حيث الإدراك العميق لعملية الاحتضار التي يسّرتها رعاية المسنين في المنازل. هذه العملية هي الطريقة الطبيعية لترك الحياة وليستفيد الأطفال ممن شهدها درساً لا يُنسى في إبداء الاهتمام والتلطف والاحتضار.

من قصائد والدي المفضلة قصيدة “وقفة عند الغابة ذات مساءٍ مثلج” لروبرت فروست. كان مأخوذاً بهذا الشطر تحديداً “لمن هذه الغابة يا تُرى؟ أظّن أنّي أعرف.” “أظن أنّي أعرف” تُشير إليه. غالباً ما يُداهمنا النّوم* قبل أن نحقق غاياتنا، وقد خططنا لها على الأقل. في حالة والدي، كان قد انتصف في كتابة كتابٍ حول مصداقية تأليف مسرحيات شيكسبير وعن مواقع مخطوطاتها الذي كان يعتقد أنها دُفت في جزيرة أوك في مقاطعة نوفا سكوتشا. كُنت أتطلع لقراءة كتابه، والآن سأبذل وسعي لأنهيَه لأجله.

تمهيد

رحل والدي أمس الساعة الثامنة مساءً ، بعد ثلاثين دقيقة من كتابتي لهذه التدوينة. كان رجلاً ألمعياً بقلبٍ من ذهب، وقد منحه الله أفضل خاتمة. لترقد بسلام، والدي العزيز..

* تقصد بالنّوم الوفاة، ويُعبّر عن النوم بالوفاة الصُغرى.

نُشرت الترجمة على منصة أكتب عام 2016

كيف هو شكل الحياة عند وحيدٍ أعزب؟

السطور التالية ترجمة لاعتراف امرأة اختارت أن تكون عزباء، باحت بهذا الاعتراف عندما وصلت سن السادسة والخمسين. (لم أجد الحساب الأصلي الذي نشر الاعتراف بالإنجليزية)

ترجمة نصّ الاعتراف:

“أبلغ من العمر 56 عاماً، ولم أتزوج قط.
وهذه حقيقة واقعي التي لا أستطيع البوح بها للآخرين.
كانت الحياة رائعة وممتعة حتى بلغت الأربعين. تطلعت حينها لماضيي ولاحظت كم التجارب الرائعة التي خضتها، إلا أن شيئاً ما كدّر صفو خاطري.
أدركت في سن الخمسين أن الحياة كانت لتكون أثرى لو أني شاركت تجاربي هذه مع أحدهم.
وفي سن الثالثة والخمسين بدا لي، وكم كان ذلك مرعباً، أن لا أحد معي لأخبره بقصصي والأهم أن لا أحد يخبرني قصصه، وهذا ما خسرته.

اعتلت صحتي واضطررت لتوظيف من يساعدني بما أنه ليس في حياتي من يمكنه ذلك، لأفيق على الصدمة الكبرى: سأبلغ منتصف العمر ولا أحد إلى جواري يمد يده لي.

لا أنكر أنه من الرائع أن تقضي بعض الوقت لوحدك مسترخياً لا ينغصّك شيء، إلا أنه وبعد ستٍ وخمسين عاماً أدركت أنّ البشر كائنات تحب الاجتماع، إذ نُريد المشاركة، نريد شعور بالحب، نريد أن نكون جزءاً من شيء يتجاوز أفكارنا الخاصة.

أعيش الحياة وحيدةً تماماً، وهي الحياة التي لا أنصح أيّ أحد بأن يعيشها، فالوحدة ألمٌ لا يُحتمل أحياناً.

لو عاد الزمن وقُدر لي اختيار أسلوب حياتي مرّة أخرى فلن أختار ما اخترتُه.”

نشرت بتاريخ:

01/02/2016

العَقد المِفصلي

مشكلات الشباب حول العالم في معظمها متشابهة وإن اختلفت بعض عواملها ومسبباتها، الاطلاع عليها يُيسر علينا معالجتها أو حتى الوقاية منها.

هذا الكتاب الممُيز -وأتمنى ترجمته يوماً ما- حصيلة سنوات من الاستقراء ومتابعة المرضى في عيادة كاتبته، د. ميغ. عنونته بـ ” The Defining Decade” (العقد المفصلي) لأن غالب مرضاها من الشباب العشريني. اختارت هذا العنوان لاعتقادها أن هذا العقد هو الذي يُحدد العقود التي تليه إذ هو الفترة الذهبية والحاسمة في اختيار طريقة الحياة والمهنة والتعليم.

Read More »

ما هي قواك الخارقة؟

مقال نُشر في 13/4/2019

في أوّل أسبوع لي في التدريس الجامعي قيل لي: “ياما لك من قلّة الأدب والاستهتار.”

تتعامل في مجتمع الترجمة مع راشدين، قواعد التعامل هي القواعد الخلُقية والمهنية، وأعدادهم محدودة وتواصلك مع طرف واحد غالباً، واصغر من تعاملت معه كانت في السنة الثالثة في تخصص الترجمة. ثم وبعد اعتياد على هذا السياق الاجتماعي، أنتقل لسياق اجتماعي أوسع أقابل فيه يومياً ما لا يقل عن 100 كائن حيّ ( معدل الشعب ما بين 45 – 50 ، أدرّس ما بين 3 إلى 5 شعب )، ومع بداية كل فصل تصيببني عدوى في العين وتحسس في البشرة وإنفلونزا بسبب هذا التواصل مع هذا العدد الكبير.

Read More »

تتعامل في مجتمع الترجمة مع راشدين، قواعد التعامل هي القواعد الخلُقية والمهنية، وأعدادهم محدودة وتواصلك مع طرف واحد غالباً، واصغر من تعاملت معه كانت في السنة الثالثة في تخصص الترجمة. ثم وبعد اعتياد على هذا السياق الاجتماعي، أنتقل لسياق اجتماعي أوسع أقابل فيه يومياً ما لا يقل عن 100 كائن حيّ ( معدل الشعب ما بين 45 – 50 ، أدرّس ما بين 3 إلى 5 شعب )، ومع بداية كل فصل تصيببني عدوى في العين وتحسس في البشرة وإنفلونزا بسبب هذا التواصل مع هذا العدد الكبير.

Read More »